كل الرؤى

مشكلة تدفق نقدي لم تكن في حقيقتها مشكلة نقد

لماذا اكتشفت إحدى الشركات أن تحسين السيولة لا يكاد يمت بصلة إلى تدبير مزيد من الأموال.

NXT Solutions · 26 مايو 2026 · 5 دقائق قراءة

حين تبدأ الشركة في التعثر نقدياً، يكاد رد الفعل يكون واحداً في كل مرة: ضغط أكبر على المبيعات، وخفض للتكاليف، وتأجيل للمدفوعات، واتصال بالبنك. قد تمنح هذه الخطوات متّسعاً للتنفّس بضعة أسابيع، لكنها نادراً ما تعالج شيئاً؛ ففي أغلب الحالات لا يختفي النقد فعلياً، وإنما يصبح من المستحيل رؤيته بوضوح.

كان ذلك تحديداً حال إحدى شركات خدمات التأمين: ضغط متزايد على السيولة، بينما يبدو كل ما عدا ذلك سليماً من الخارج. العمليات تسير. العملاء يتلقّون خدماتهم. الإيرادات مستقرة. ومع ذلك ظلت الإدارة تعود إلى الأسئلة الثلاثة نفسها: لماذا نعاني دائماً من شح النقد، ولماذا نعجز عن التنبؤ بما سنحتاج إليه، وأين تذهب الأموال فعلاً. لا لأن الفريق كان يفتقر إلى القدرات، بل لأنه كان يفتقر إلى وضوح الرؤية.

تتعامل معظم المؤسسات مع السيولة باعتبارها مسألة يومٍ واحد: يُنظر إلى الرصيد البنكي، فإن بدا مريحاً افتُرض أن كل شيء على ما يرام. وهذا قياس للنتيجة لا للنظام الذي أنتجها. فالتدفق النقدي حصيلة مئات القرارات التشغيلية الصغيرة التي تُتخذ كل يوم: سرعة إصدار الفواتير، وإحكام إدارة التحصيل، ودقة التنبؤ بالالتزامات المستقبلية. وحين تعمل هذه الأنشطة بمعزل بعضها عن بعض، لا تكتشف القيادة وجود مشكلة إلا حين يكشفها الرصيد البنكي، وغالباً بعد أشهر من نشوء المشكلة الحقيقية.

لذلك لم يبدأ العمل بسياسة للخزانة، بل بخريطة: من أين تنشأ المعلومات، ومن يعتمد المدفوعات، وعلى أي أساس بُنيت أرقام القيادة فعلاً. وما ظهر لم يكن نقصاً في المال، بل تشتتاً في المعلومات: إدارات مختلفة تحتفظ بسجلات مختلفة، وتنبؤات تأتي كردّ فعل على المشكلات بدل أن تتنبأ بها.

أُعيد بناء وظيفة الخزانة حول ثلاثة محاور: رؤية واضحة للمراكز النقدية الحالية والمتوقعة، وانضباط في آلية عمل التنبؤات والاعتمادات، ودعم للقرار يمكّن القيادة من التحرك مبكراً بدل تفسير أزمة بعد وقوعها.

كان أوضح تغيّر في السؤال المطروح داخل قاعة الاجتماعات: لا «كيف نجد مزيداً من النقد؟» بل «كيف نوقف الضغط غير الضروري قبل أن يبدأ؟». لم تعقب ذلك إعادة تمويل كبرى، ولا إعادة هيكلة طارئة؛ وإنما فريق إدارة بات قادراً أخيراً على رؤية المشكلات وهي تتكوّن، قبل أشهر من تحوّلها إلى مشكلة فعلية.

نادراً ما تكون أقوى المؤسسات هي التي تملك أكبر رصيد نقدي، بل تلك التي تعرف على وجه الدقة إلى أين يذهب نقدها، ولماذا.

تحدثوا إلى من كتبوا هذه السطور.

استشارات وتطوير للمؤسسات — وشهادات معتمدة للمهنيين الذين يقودونها.

ابدأ الحوار