يبدو النمو دليلاً على أن كل شيء يسير على ما يرام: عملاء أكثر، وإيرادات أكبر، وموظفون أكثر، وفرص أوسع. لكنه نادراً ما يُفصح عن وجهه الآخر: أن التعقيد ينمو أسرع مما تنمو الشركة نفسها. فتتباطأ القرارات. وتتشوش حدود المسؤولية. وتتوقف بهدوء إجراءات كانت تؤدي دورها حين كان حجم الشركة نصف ما هو عليه اليوم.
كان ذلك تحديداً وضع شركة عقارية سريعة النمو، بسمعة قوية وطلب متصاعد، وفريق قيادي يقضي في حل المشكلات الداخلية وقتاً أطول مما يقضيه في خدمة العملاء. قرارات كانت تُحسم في ساعات صارت تستغرق أياماً. واستحدثت كل إدارة طريقتها الخاصة في العمل. وظل المؤسس طرفاً في كل قرار تقريباً، لا اختياراً منه، بل لغياب نظام يتيح للشركة أن تعمل من دونه.
من الخارج، بدت القصة قصة نجاح. أما من الداخل، فقد بلغت القيادة نقطة تحوّل: المضي في النمو بنموذج التشغيل نفسه يعني أن كل مشكلة من هذه المشكلات ستزداد صعوبة في إدارتها لا سهولة. لم تكن المسألة يوماً مشكلة نمو، بل مشكلة نموذج تشغيل.
الميل الغريزي دائماً هو تعيين مزيد من الموظفين أو شراء برمجيات جديدة. وكلاهما قد يخفف الضغط مؤقتاً. لكن أياً منهما لا يعالج السبب الحقيقي، فالسؤال الفعلي كان عن الكيفية التي تعمل بها المؤسسة يوماً بيوم: كيف تتحرك القرارات، وأي المسؤوليات يتولاها أصحابها فعلاً، وأين تتعثر الأمور، وكم من العمل يقوم على ذاكرة الأفراد بدلاً من نظام يمكن للجميع الاعتماد عليه.
لم تكن المشكلة فجوة في الكفاءات، بل إن الهياكل والإجراءات والحوكمة لم تواكب وتيرة نمو الإيرادات. لذلك تعامل الحل مع الشركة باعتبارها نظاماً واحداً، لا قائمة مشكلات منفصلة. فرسمت أول خطة استراتيجية حقيقية اتجاهاً مشتركاً للمؤسسة بأكملها. وفصلت الحوكمة بين الملكية والإدارة اليومية، بحيث تتحرك القرارات بوتيرة أسرع دون انتظار شخص بعينه. وأُعيد تصميم الأدوار لإزالة التداخلات التي تراكمت دون أن ينتبه إليها أحد. وربط نظام متكامل بين المالية وHR والمبيعات والعمليات، بعد أن كانت تعمل وكأنها خمس شركات مختلفة تحمل اسماً واحداً.
ولم ينجح أي من ذلك بفضل التقنية. إنما نجح لأن التقنية قامت على شركة صار لها أخيراً هيكل يستحق أن تُربط أجزاؤه ببعضها.
العلامة الأوضح على التغيير: لم تعد القرارات رهناً بشخص واحد داخل الشركة. فبدأت تعمل بالأنظمة لا بالأشخاص، وهذا تحديداً ما منحها مساحة لمواصلة النمو دون أن تتصدع تحت وطأة حجمها.
لم يكن النمو هو الهدف قط، بل كان الهدف بناء كيان قادر على حمله.
