لكل مؤسسة استراتيجية، ومعظمها استراتيجيات جيدة: عرض تقديمي متقن، وخطة خمسية، وشهور من العمل وراء كل أولوية مدوّنة في صفحاتها. والمدهش أن قلة قليلة منها تحقق النتائج التي توقّعتها؛ لا لأن الاستراتيجية كانت خاطئة، بل لأن التنفيذ لم يلحق بها قط.
وهذه الفجوة من أبهظ ما قد تعاني منه أي مؤسسة، وقلّما تكشف عن نفسها. فالمشروعات تنطلق بزخم ثم تفقده تدريجياً، والإدارات تلاحق أولويات متعارضة، واجتماعات القيادة تمتلئ باستعراض المستجدات بدلاً من اتخاذ القرارات. وفي النهاية تتحول الاستراتيجية إلى كلام يُستشهد به لا إلى عمل يُنجَز.
وهذا تحديداً هو التحدي الذي كان قائماً داخل مكتب التخطيط الاستراتيجي في إحدى الجهات الاستثمارية الحكومية الكبرى: أهداف طموحة، وقيادة ذات خبرة، والتزام حقيقي بتحسين الأداء، ومع ذلك ظلت الاستراتيجية حبيسة الورق في معظمها.
وهنا مكمن الخطأ لدى معظم المؤسسات: افتراض أن التنفيذ يأتي تلقائياً بمجرد اعتماد الخطة. والأمر ليس كذلك؛ فالتنفيذ ليس مرحلة تأتي بعد الاستراتيجية، بل قدرة يجب أن تتوافر داخل المؤسسة في كل وقت. فمن دون مسؤولية واضحة تتنافس الأولويات فيما بينها، ومن دون الحوكمة تسير المشروعات بسرعات متفاوتة، ومن دون وضوح الصورة تفقد القيادة ثقتها بأن شيئاً يتحرك فعلاً. فتزداد الفرق انشغالاً، وتتكاثر الاجتماعات، وتطول التقارير، ويصير تمييز التقدم الحقيقي وسط ذلك كله أشد صعوبة.
والنزعة الغالبة دائماً هي إضافة مزيد من التقارير. وهذا لا يصلح التنفيذ، بل يوثّق غيابه بتفصيل أدق. أما ما كان مهماً بحق فهو فهم كيف تنتقل القرارات داخل المؤسسة أساساً: من الجهة المسؤولة عن كل مبادرة، وكيف تُدار أوجه الترابط بينها، وما الذي يحدث لحظة تأخر أحد المشروعات. ولم يكن الخلل نقصاً في الالتزام، بل نقصاً في التكامل؛ فالاستراتيجية والتخطيط والتنفيذ وإعداد التقارير كانت أربعة أنشطة منفصلة بدلاً من أن تكون عملية واحدة متصلة.
ومن هنا أُعيد بناء مكتب التخطيط الاستراتيجي ليكون نقطة التنسيق بين هذه الأنشطة الأربعة جميعاً. فربطت خطط التنفيذ الربعية الأهداف بعيدة المدى بمخرجات قصيرة المدى، وحُدِّدت أولوية المبادرات وفق قيمتها الاستراتيجية لا وفق من يعلو صوته في ذلك الأسبوع. وجعلت الحوكمة المسؤولية عن كل مبادرة أمراً معلناً لا مفترضاً.
وكانت أوضح إشارة على التغيير في نوع الأسئلة التي بدأت القيادة تطرحها؛ فلم يعد السؤال «ما الذي أُنجز؟» بل «ما الذي يحول دون النجاح؟». فالأول ينظر إلى الوراء، أما الثاني فيتلمّس العائق قبل أن يصير تأخيراً.
لم يكن المكسب الحقيقي خطة أفضل، بل الثقة بأن الخطة ستتحقق فعلاً. فلم تعد الاستراتيجية ممارسة سنوية، بل صارت جزءاً من طريقة إدارة المؤسسة أسبوعاً بعد أسبوع. فالاستراتيجية التي لا وجود لها إلا في مستند لم تكن استراتيجية قط؛ بل كانت أمنية مقيّدة بموعد نهائي.
