اسأل معظم أصحاب الأعمال عن أحوال شركاتهم، فيشيرون إلى رقمين: الإيرادات والأرباح. وما دام الرقمان في صعود، فالخلاصة تفرض نفسها: الشركة بخير. ثم يأتي يوم يضيق فيه تدبير الرواتب، ويتكرر اتصال الموردين، ويبدأ فريق المالية في تأجيل المدفوعات لمجرد إبقاء العجلة دائرة. والسؤال الذي يعقب ذلك واحد دائمًا: إذا كنا نحقق أرباحًا، فأين ذهبت النقدية؟
وهو من أكثر الأسئلة شيوعًا في عالم الأعمال، ومن أكثرها عرضةً لسوء الفهم، لأن الربح والنقدية ليسا شيئًا واحدًا. فالربح يقيس الأداء. أما النقدية فتحدد ما إذا كنت ستصمد إلى الربع المقبل.
وهذا بالضبط هو موقف إحدى شركات FMCG سريعة النمو، وهي شركة كانت تؤدي كل شيء تقريبًا على الوجه الصحيح، على الورق. كانت المبيعات مرتفعة. والعملاء يتوسعون. والأرباح حقيقية. ومع ذلك ظل التدفق النقدي يزداد سوءًا. فالنمو، بدلًا من أن يقوّي الشركة، كان يرهقها في صمت.
كان رد الفعل الأول هو تكثيف الجهد في التحصيل: الاتصال بالعملاء المتأخرين في السداد، والضغط على فريق المبيعات، وتشديد المتابعة. خطوات ضرورية، لكنها لا تعالج سوى العَرَض. فالفواتير غير المحصَّلة نادرًا ما تنشأ بمحض الصدفة، بل هي حصيلة عشرات القرارات الصغيرة التي اتُّخذت في مرحلة أبكر من رحلة العميل: من الذي وافق على الائتمان، وبأي شروط، وهل كانت حوافز المبيعات تكافئ على الإيراد دون أن تسأل يومًا عن التحصيل.
وما كشفته تلك المراجعة أن الشركة كانت تتخذ قرارات الائتمان بالحدس لا بنظام. فالحدود الائتمانية غير متسقة، والتقارير لا تنبّه إلى الحسابات إلا بعد أن تكون قد تأخرت بالفعل. أما المبيعات والمالية والعمليات، فكان كل منها يرى جانبه الخاص من الذمم المدينة، ولم يكن أحد يرى الصورة كاملة.
ولذلك لم يكن العلاج في تسريع التحصيل، بل في إطار للائتمان يحول دون نشوء المخاطر من الأساس: معايير متسقة للموافقة، وحدود ائتمانية مرتبطة بالقدرة المالية الفعلية لا بالتفاؤل التجاري، ومسؤوليات واضحة المعالم بين المبيعات والمالية حتى لا يأتي النمو على حساب إحكام الرقابة.
لكن التحول الحقيقي حدث في الأسئلة التي بدأت القيادة تطرحها قبل منح الائتمان، لا بعد السعي إلى تحصيله: ما حجم الانكشاف الذي نحمله بالفعل، وهل ننمو نموًا مربحًا أم أننا ننمّي الذمم المدينة فحسب؟ هذا التغيير وحده في الترتيب — أن يسبق السؤالُ منحَ الائتمان بدلًا من أن تعقبه الملاحقة — هو ما فرّق بين الشركة كما صارت والشركة كما كانت.
توقف النمو عن استنزاف النقدية. وبدأ في توليدها. فالإيراد بلا انضباط نقدي لم يكن نموًا حقيقيًا قط. كان انكشافًا بعنوان لافت.
